الأمي الذي أتى بما عجز عنه الحكماء: كيف نفسّر هذا الكمال المفاجئ؟

دلالة أمية النبي محمد على صدق النبوة والكمال التشريعي

تخيّل بيئة اجتماعية بلا مؤسسات تعليمية منظمة، ولا مدارس فلسفية كاليونان أو الفرس أو الروم، ولا بقايا كتب من رسالات أنبياء سابقين، مجتمعًا قبليًّا تحكمه الثارات، ويُدفن فيه الأطفال الإناث أحياء، ويسود فيه التفاوت الطبقي القاسي بلا رادع أخلاقي جامع. في هذه البيئة تحديدًا، وُلد محمد ﷺ يتيمًا، لم يتعلم القراءة ولا الكتابة يومًا، ولم يُسافر بعيدًا عن مكة إلا في رحلات تجارية محدودة، ولم يُعرف عنه أنه جالس فيلسوفًا أو حكيمًا مشهورًا، ولا انتسب إلى مدرسة فكرية معروفة.

شهادة سبقت النبوة

قبل النبوة بعقود، عرفه أهل مكة أنفسهم، أشد الناس معرفة بتفاصيل حياته اليومية وأقربهم إلى مراقبته عن كثب، بلقب “الصادق الأمين”. هذه الشهادة الأخلاقية صادرة من مجتمعه، قبل أي ادعاء نبوة، وقبل أي مصلحة دنيوية يمكن أن تُتَّهم بأنها دافع لهذا الوصف. وهذا نمط شهادة يصعب تزويره أو المبالغة فيه، لأنه صادر ممن عايشوه في تعاملاته التجارية وحياته اليومية سنوات طويلة، لا ممن سمعوا عنه لاحقًا من بعيد.

كمال ظهر دفعة واحدة

ثم فجأة، عند سن الأربعين، يظهر بمنظومة متكاملة الأبعاد: عقيدة توحيدية صافية تمامًا من أي شائبة أو غموض، تشريع اجتماعي واقتصادي متوازن ينظم أدق تفاصيل الحياة اليومية، أخلاق تجمع بين الرحمة البالغة والحزم في موضعه، وحكمة سياسية وإدارية استطاع بها أن يبني دولة ناشئة وسط صراعات قبلية وسياسية بالغة التعقيد، ثم يقودها إلى استقرار ونجاح استمر أثره قرونًا طويلة بعده.

اللافت هنا أن هذا الكمال المتعدد الأبعاد لم يظهر عبر مسار تدرج فكري أو فلسفي يمكن تتبعه، بخلاف كل المفكرين والمصلحين الآخرين في التاريخ البشري، الذين نعرف عادة تكوينهم الفكري بوضوح: من تتلمذوا عنده، وما الكتب والمدارس التي أثّرت في تطور أفكارهم عبر سنوات من النضج التدريجي.

سؤال يستحق التوقف

اجتماع هذا الكمال المتعدد الأبعاد، الأخلاقي والتشريعي والسياسي والروحي معًا، دفعة واحدة، في شخص واحد لم يُعرف عنه تدرج فكري سابق واضح، ثم استمرار نتائج هذا الكمال في إثبات حكمتها وصلاحيتها عبر أربعة عشر قرنًا لاحقة من التطبيق العملي، هو ما يستحق تأملًا جادًّا في مصدر هذا الكمال، لا مجرد تفسيره بموهبة فردية عابرة.

خاتمة

هذه الأمّية بالذات، التي قد يظنها البعض نقصًا، هي في حقيقتها جزء من الدليل نفسه؛ إذ تقطع الطريق أمام أي تفسير لهذا الكمال باطلاع سابق على كتب أو فلسفات أو حضارات أخرى. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه النقطة تحديدًا بوضوح تام حيث قال: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ [يونس: 16]، أي: فقد مكثت فيكم أربعين سنة من قبل أن أتلوَه عليكم، ومن قبل أن يوحيه إليّ ربي ، ولو أني لو كنت منتحلا ما ليس لي من القول، كنت قد انتحلته في أيّام شبابي وحَداثتي، وقبل الوقت الذي تلوته عليكم؟ فقد كان لي اليوم، لو لم يوح إليّ وأومر بتلاوته عليكم، مندوحةٌ عن معاداتكم، ومتّسَعٌ، في الحال التي كنت بها منكم قبل أن يوحى إلي وأومر بتلاوته عليكم. والدليل على أني لست أتقوله من عندي ولا افتريته أنكم عاجزون عن معارضته، وأنكم تعلمون صدقي وأمانتي منذ نشأت بينكم إلى حين بعثني الله عز وجل، لا تنتقدون علي شيئا تغمصوني به.

وكما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (العنكبوت: 48). فلو كان يقرأ أو يكتب، لأمكن لمن يشكّك أن يزعم أنه استقى معارفه من كتب سابقة. أما وقد جاء بهذا الكمال أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، فإن مصدره يتجاوز بالضرورة كل تفسير بشري معتاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top