العدالة المؤجلة: حين يشهد ضميرك بيوم لا بد آتٍ

ميزان العدالة في ضوء الفجر دلالة على حتمية اليوم الآخر ورد المظالم

عاش رجل ظالمًا طوال حياته، سرق حقوق الضعفاء، وتاجر بمعاناة من حوله، ثم مات في فراشه هانئًا، محاطًا بأهله، دون أن تمسّه يد قانون ولا لسان محاسبة. وفي الطرف الآخر، عاشت امرأة صالحة، ظُلمت طوال عمرها، انتُهكت حقوقها، وحُرمت مما تستحق، ثم رحلت مكسورة دون أن تجد من يُنصفها. لو سألت أي إنسان على وجه الأرض، من أي ثقافة أو دين أو خلفية، عن هذا المشهد، لأجابك بلا تردد: “هذا ليس عدلًا”.

شعور لا يُخطئه أحد

هذا الرفض الفطري للظلم غير المستوفى ليس رأيًا فلسفيًا معقدًا يحتاج إلى تعلّم أو تلقين؛ إنه من أعمق وأرسخ المشاعر الأخلاقية المشتركة بين بني البشر جميعًا، بصرف النظر عن معتقداتهم. الطفل الصغير نفسه يصرخ “هذا غير عادل” حين يُؤخذ حقه، دون أن يكون قد درس فلسفة الأخلاق يومًا. وحين نرى في الأفلام والقصص أن الشرير يُفلت بجريمته دون عقاب، نشعر بضيق داخلي حقيقي، لأن شيئًا في فطرتنا يرفض أن تنتهي القصة هكذا.

معضلة لا مفر منها

والآن، تأمل هذه النقطة بعناية: لو انتهى كل شيء بالموت، ولم تكن هناك حياة أخرى، فهذا يعني أن هذا الكون، بلا أي استثناء، مبني على استحالة بنيوية لتحقيق العدل الكامل أبدًا. فكل ظالم أفلت من العقاب في حياته الدنيا، سيبقى بلا عقاب إلى الأبد. وكل مظلوم لم ينل حقه في حياته الدنيا، سيبقى محرومًا منه إلى الأبد. لا استثناء، ولا تصحيح لاحق، ولا فرصة أخرى. عدل مطلق يظل مطلبًا مستحيلًا بنيويًّا، مهما طال الزمن.

فإذا كان هذا هو الحال، يبقى أمامنا احتمالان لا ثالث لهما. الاحتمال الأول: أن هذا الشعور العميق واليقين الراسخ بلزوم العدل، الذي يشترك فيه كل إنسان بلا استثناء، ليس سوى وهم عبثي، أنتجته مادة عمياء صمّاء لا تعرف عدلًا ولا ظلمًا، ولا غاية لها من إنتاجه على الإطلاق. وهذا احتمال لا يمكن عقلًا تصديقه؛ فكيف تنتج المادة العشوائية، التي لا تحمل في ذاتها أي قيمة أخلاقية، كائنًا يتوق للعدل بهذه الشدة، بل يعدّه أعمق مطالبه الوجودية؟

الاحتمال الثاني: أن هذا الشعور صادق فعلًا، لأنه يعكس حقيقة كونية أعمق: أن هناك يومًا آخر يُستوفى فيه كل حق، ويُقتصّ فيه من كل ظلم، لأن خالق هذا الشعور هو خالق عادل، لم يترك مطلبًا فطريًّا بهذا العمق بلا إشباع حقيقي، تمامًا كما لم يترك الجوع بلا طعام، ولا العطش بلا ماء.

خاتمة

حين تشعر بضيق داخلي أمام مشهد ظلم لم يُنصَف، فتذكّر أن هذا الشعور نفسه شاهد يشهد لصالحك، لا مجرد انفعال عابر. إنه صوت الفطرة يُذكّرك بأن هذه الحياة الدنيا ليست الفصل الأخير من القصة، وأن العدالة التي تتوق إليها روحك، ولو تأخرت، لن تضيع أبدًا. وقد وصف القرآن الكريم هذا اليقين بأبلغ عبارة حين استنكر أن يكون الخلق عبثًا بلا حساب: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (المؤمنون: 115).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top