في كل خريف، تنطلق أسراب من فراشات الملكة (Monarch) من جنوب كندا وشمال الولايات المتحدة في رحلة تفوق أربعة آلاف كيلومتر، تقودها خلالها البوصلة الخفية التي لا يراها أحد، لتحطّ بدقة تكاد لا تُصدَّق، في غابة صغيرة محددة من أشجار الصنوبر في جبال المكسيك، الغابة نفسها التي حطّت فيها أجيال من الفراشات قبلها، جيلاً بعد جيل.
المدهش في الأمر ليس طول الرحلة، بل من يقوم بها. فالفراشة التي تصل إلى المكسيك ليست هي التي غادرت كندا؛ إذ تتعاقب على الرحلة الواحدة ثلاثة أو أربعة أجيال من الفراشات، يعيش كل جيل منها أسابيع معدودة ثم يموت بعد أن يضع بيضه في منتصف الطريق تقريبًا. فالفراشة التي تكمل الرحلة وتصل إلى الغابة المقصودة لم ترَ تلك الغابة قط، ولم يسبق لها أن قطعت هذا الطريق، ولا التقت بمن قطعه من قبل لتتعلّم منه. ومع ذلك، تهتدي إليه بدقة تُحاكي طيّارًا محترفًا يعتمد على القياس الفلكي وموقع الشمس والساعة البيولوجية الداخلية معًا.
ضيف يُربّى بيد غريبة ثم يهتدي وحيدًا
مثال آخر لا يقل غرابة: طائر الوقواق الأوروبي (Cuckoo) لا يبني عشًّا، ولا يُربّي صغاره؛ بل تضع الأنثى بيضتها خلسةً في عش طائر من نوع مختلف تمامًا، ثم تُهاجر وتترك الأمر بالكامل. يفقس الفرخ في عش غريب، ويقوم أبوان من نوع آخر بإطعامه وتربيته، ظانّين أنه من صغارهما، حتى يشتد عوده. وحين يحين وقت الهجرة، لا يتبع الوقواق الصغير الأبوين اللذين ربّياه، بل ينطلق وحيدًا، بعد أن يكون أهله الحقيقيون قد غادروا القارة منذ أسابيع، ليقطع آلاف الكيلومترات جنوبًا نحو وسط أفريقيا، إلى منطقة لم يرها قط، ليلتحق هناك بأبناء جنسه الذين سبقوه.
من الذي رسم لهذا الفرخ خريطة الطريق؟ لم يتبع أثرًا، ولم يتعلّم من أحد، ولم يسبق له أن رأى الوجهة، ومع ذلك يصل إليها بدقة تفوق ما يستطيعه إنسان بلا خارطة ولا بوصلة.
الغريزة معلومة، والمعلومة لا تنشأ من عَدَم
حين نتأمل هذه الظواهر بعين متأنية، نجد أن ما يحدث هنا أعمق من مجرد “سلوك فطري”؛ إنه معلومة دقيقة، موجّهة نحو غاية محددة سلفًا: مسار، ومسافة، وتوقيت، ووسيلة قياس، كلها مضبوطة ومكتوبة بطريقة ما داخل كائن لا يزن أحيانًا أكثر من بضعة جرامات. وكل معلومة موجّهة نحو غاية، في كل ما نعرفه من تجربة بشرية، تصدر عن قصد وعِلم، لا عن حركة عمياء للمادة. لم يحدث قط أن رأينا خريطة ملاحية دقيقة تنشأ من تصادم جزيئات عشوائي، أو برنامجًا حاسوبيًّا يكتب نفسه من فوضى كهربائية بلا مبرمج.
سر البوصلة الخفية: من أوحى لهذا الكائن الصغير؟
القرآن الكريم يصف حالة أدق من هذه في مخلوق أصغر، حين يتحدث عن النحلة، فيصفها الله بأنها تتلقّى وحيًا خاصًّا يهديها إلى بناء بيوتها واختيار مسالكها: ﴿وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ (النحل: 68). وليس المقصود هنا وحيًا تشريعيًّا كوحي الأنبياء، بل إلهام وتوجيه من خالق الكون، أودعه في هذا الكائن الصغير، يسيّر به حركته وفق نظام محكم لا يخطئ.
وهذا بالضبط ما تشهد به فراشة الملكة وطائر الوقواق، وآلاف الأمثلة الأخرى المنتشرة في عالم الأحياء: أن وراء هذه الغرائز الدقيقة علمًا سابقًا، وتقديرًا محكمًا، لا يمكن أن يكون قد نشأ من عدم، ولا من مادة صمّاء لا تعي ولا تريد.
خاتمة
حين ترى فراشة صغيرة تشقّ طريقها في السماء نحو مكان لم تره قط، فأنت لا ترى مجرد حشرة تطير، بل ترى شاهدًا حيًّا على أن في هذا الكون علمًا يسبق الحادثة، وتقديرًا يسبق الخليقة. فراشة لا تخطئ طريقها، لأن من صمّم مسارها هو من أعطاها خِلقتها ثم هداها إليه، كما أخبر سبحانه عن نفسه على لسان موسى عليه السلام: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾ (طه: 50).



