تصميم الكون: صدفة عمياء أم تقدير مُحكم؟

تصميم الكون

تخيّل آلة بالغة الدقة، فيها آلاف المقابض، وكل مقبض منها يجب أن يُضبط على قيمة محددة بدقة متناهية، بحيث لو انحرف أي مقبض عن موضعه بمقدار ضئيل جدًّا، توقفت الآلة عن العمل نهائيًّا، أو انفجرت، أو تجمّدت. هذا ليس وصفًا خياليًّا لآلة صناعية، بل هو، وفق ما توصّل إليه الفيزيائيون في العقود الأخيرة، وصف دقيق لتصميم الكون نفسه.

حين يتوقف كل شيء على رقم واحد

خذ مثالًا واحدًا: القوة النووية الشديدة، التي تُمسك بروتونات النواة الذرية معًا رغم تنافرها الكهربائي. لو كانت هذه القوة أضعف قليلًا مما هي عليه، لما تماسكت الأنوية الذرية أصلًا، ولما تشكّل من الكون شيء سوى غاز الهيدروجين المتناثر، بلا كربون ولا أكسجين ولا أي عنصر يُبنى منه جسد حيّ. ولو كانت أقوى قليلًا، لاندمج كل الهيدروجين في اللحظات الأولى من عمر الكون، ولم يبقَ منه ما يكفي لإشعال النجوم واستمرار احتراقها البطيء المستقر الذي يمتد مليارات السنين، وهو الاحتراق الذي أتاح لكوكب كالأرض أن ينعم بضوء ثابت طويل الأمد يسمح بنشوء الحياة وتطورها.

مثال آخر أشد دقة: الثابت الكوني، وهو القيمة المرتبطة بالطاقة الكامنة في الفراغ نفسه والتي تتحكم في معدل تمدد الكون. الانحراف الطفيف جدًّا في هذه القيمة، بمقدار يصفه الفيزيائيون بأنه أدق من جزء من مليار مليار مليار جزء من قيمتها الفعلية، كان كفيلًا بأحد أمرين: إما أن يتمدد الكون بسرعة هائلة تمنع تجمّع المادة في مجرات ونجوم أصلًا، أو أن ينهار على نفسه في لحظات قبل أن تتشكل ذرّة واحدة.

ليس كونًا “يعمل” فحسب، بل كون “مضبوط لأجل الحياة”

المسألة هنا ليست أن الكون يعمل بقوانين ثابتة، فهذا أمر متوقّع في أي كون منظّم. المسألة الأعمق أن هذه القوانين نفسها مضبوطة، من بين مدى هائل جدًّا من القيم الممكنة نظريًّا، على القيم الدقيقة التي تسمح، تحديدًا، بوجود ذرات مستقرة، ونجوم طويلة العمر، وكيمياء عضوية معقدة، وفي النهاية حياة واعية قادرة على التأمل في هذا الكون نفسه. لو كان الأمر محض مصادفة عشوائية بلا موجّه، لكانت الاحتمالات الغالبة كلها تفضي إلى أكوان عقيمة: إما فراغ متمدد بلا بنية، أو انهيار فوري، أو مادة بلا كيمياء قادرة على تركيب جزيء حي واحد. وكون واحد من بين هذا الكم الهائل من الاحتمالات يقع بالضبط على النقطة الدقيقة التي تسمح بالحياة، أمر يصعب عقلًا عزوه إلى صدفة عمياء.

هل تحلّ فكرة “الأكوان المتعددة” اللغز؟

يلجأ بعض من يرفضون الاستنتاج المباشر إلى فرضية وجود عدد لا نهائي، أو شبه لا نهائي، من الأكوان الموازية، لكل منها ثوابته الخاصة، بحيث يصبح وجود كون واحد من بينها صالح للحياة أمرًا متوقّعًا إحصائيًّا، شأننا شأن من يفوز باليانصيب إذا اشترى عددًا هائلًا جدًّا من التذاكر. غير أن هذا التفسير، على فرض صحته، لا يحل المعضلة بل يؤجّلها فحسب: فهو يحتاج بدوره إلى آلية تُنتج هذا العدد الهائل من الأكوان، وهذه الآلية نفسها تحتاج قوانين تحكمها، فيعود السؤال من جديد: من ضبط قوانين “مولّد الأكوان” هذا نفسه؟ فضلًا عن أن هذه الفرضية، حتى اليوم، تبقى خارج نطاق الرصد والاختبار العلمي المباشر، بخلاف التفسير الأبسط منطقيًّا: أن مُقدِّرًا عليمًا حكيمًا هو من اختار هذا الضبط الدقيق عن علم وقصد، لغاية يريدها.

تصميم الكون شاهدٌ لا يُخطئه النظر

حين ينظر الإنسان في هذا الكون، بدءًا من أصغر جسيم في نواة الذرة إلى أبعد مجرة يلتقطها التلسكوب، فإنه لا يرى فوضى عمياء، بل يرى اتساقًا محكمًا يُذهل كل من تأمّله من العلماء أنفسهم. وهذا بالضبط ما وصفه القرآن الكريم منذ أربعة عشر قرنًا، حين دعا الإنسان إلى تكرار النظر في خلق السماوات بحثًا عن أي خلل أو تفاوت، فلا يجد: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ۖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ﴾ (الملك: 3). فكلما ازداد العلم دقّة في وصف هذا الضبط المحكم، ازداد المتأمل يقينًا بأن هذا الاتساق ما كان له أن يكون كذلك من غير مُقدِّر عليم، وضع كل شيء بقدر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top