متى دُوّن الحديث فعلًا؟ الرد على شبهة التأخر في التدوين

مخطوطة تاريخية قديمة تجسد البداية المبكرة لتدوين الحديث النبوي

يتكرر في أوساط المشككين ادّعاء مفاده أن الحديث النبوي لم يُدوَّن كتابيًّا إلا بعد قرن ونصف إلى قرنين كاملين من وفاة النبي ﷺ، أي في زمن الإمامين البخاري ومسلم، وأن هذه الفجوة الزمنية الطويلة تفتح البابَ واسعًا أمام النسيان والتحريف والدسّ. شبهة تبدو للوهلة الأولى منطقية، لكنها تقوم على خلط جوهري بين مفهومين مختلفين تمامًا: “بداية الكتابة” و”التصنيف الجامع الشامل”.

الكتابة بدأت مبكرًا جدًّا

الحقيقة التاريخية أن تدوين الحديث كتابيًّا بدأ منذ عصر الصحابة أنفسهم، بل في بعض الأحيان في حياة النبي ﷺ ذاته. من أوضح الشواهد على ذلك “الصحيفة الصادقة” التي كتبها الصحابي عبدالله بن عمرو بن العاص، إذ دوّن فيها كل ما كان يسمعه من النبي ﷺ بإذنه المباشر، حين استأذنه في الكتابة فقال له النبي ﷺ: “اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق”. هذه الصحيفة كانت متداولة بين أحفاده وتلاميذه لعقود، ونُقل عنها لاحقًا في كتب الحديث المسندة.

شاهد آخر أكثر إثارة للدهشة: صحيفة همّام بن منبه، تلميذ الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله عنه، وهي مخطوطة محفوظة فعليًّا حتى يومنا هذا في مكتبات أوروبية، ودرسها مستشرقون قبل مسلمين. والمذهل أن أحاديث هذه الصحيفة، حين قُورنت بالروايات المسندة نفسها في مسند الإمام أحمد وصحيح البخاري لاحقًا بقرون، طابقتها تطابقًا يكاد يكون حرفيًّا، رغم أن مصدر النقل مختلف تمامًا (نسخة مكتوبة مبكرة جدًّا في جهة، وسلسلة حفظ شفهي متصلة عبر أجيال في جهة أخرى). وهذا دليل عملي مباشر وملموس على دقة النقل الشفهي الموازي للكتابة، لا على غيابها.

فلماذا تأخر “الجمع”؟

إذا كانت الكتابة موجودة منذ البداية، فلماذا تأخر ظهور المصنفات الجامعة الكبرى كصحيح البخاري إلى القرن الثالث الهجري؟ الجواب يكمن في طبيعة المرحلة نفسها: كان الاعتماد الأساسي في تلك القرون الأولى على الحفظ الشفهي الدقيق، وهو منهج عربي أصيل معروف بدقته المتناهية حتى قبل الإسلام في حفظ الشعر والأنساب والأخبار، بموازاة كتابات فردية متناثرة لدى آلاف الرواة المنتشرين في الأمصار المختلفة. ولم تكن هناك حاجة ملحّة في تلك المرحلة المبكرة لجمع كل هذه المادة المتناثرة في مصنف واحد جامع، طالما كانت الأمة لا تزال قريبة زمنيًّا من عصر الرواية المباشرة، ومليئة بحفّاظ يحملون هذا العلم في صدورهم.

جاء عصر التصنيف لاحقًا، حين اتسعت رقعة الدولة الإسلامية جغرافيًّا، وتفرّق حملة العلم في أقطار بعيدة، وظهرت الحاجة العملية لجمع هذا الكمّ الهائل من الروايات المتناثرة أصلًا، والمنقولة أصلًا بأسانيد موثقة، في مصادر منهجية جامعة يسهل الرجوع إليها. فالتصنيف كان خطوة تنظيمية لجمع مادة كانت موجودة ومحفوظة ومكتوبة جزئيًّا منذ البداية، لا اختراعًا لمادة لم تكن موثقة من قبل.

خاتمة

الفجوة الحقيقية إذن ليست فجوة “غياب توثيق” امتدت قرنين كاملين كما تصوّر الشبهة، بل هي فجوة “تجميع وتصنيف” لمادة كانت مكتوبة جزئيًّا ومحفوظة شفهيًّا بدقة متناهية منذ عصر الصحابة أنفسهم. وهذا فارق جوهري يقلب الشبهة رأسًا على عقب، ويكشف أن ما يُقدَّم أحيانًا كثغرة تاريخية خطيرة هو في حقيقته سوء فهم لطبيعة المرحلة ومنهجية العلماء فيها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top