يصف بعض من مرّوا بسكتة قلبية حادة، ثم عادت إليهم الحياة بعد إنعاش طبي، تجربة محددة الملامح: شعور بالخروج من الجسد ورؤية غرفة العمليات من زاوية علوية، ثم انتقال إلى إدراك هادئ صافٍ، وأحيانًا وصف دقيق لتفاصيل جرت في الغرفة أثناء توقف قلبهم تمامًا. تُعرف هذه الظاهرة علميًّا باسم “تجارب الاقتراب من الموت” (Near-Death Experiences)، وهي محل بحث جاد في الأوساط الطبية والأكاديمية منذ عقود، لا مجرد حكايات متناثرة.
أكثر من مجرد روايات فردية
ما يمنح هذا الموضوع جدية علمية حقيقية هو أنه لم يبق حبيس الروايات الشخصية غير الموثقة، بل خضع لدراسات أكاديمية منهجية محكّمة. من أبرزها دراسة “AWARE” التي قادها الطبيب سام بارنيا في عدد من المستشفيات البريطانية والأمريكية، وحاولت التحقق موضوعيًّا من دقة ما يصفه الناجون من سكتات قلبية عن إدراكهم أثناء تلك اللحظات، عبر وضع علامات بصرية مرتفعة في غرف الإنعاش لا يمكن رؤيتها إلا من زاوية علوية خارج الجسد.
اللغز الفيزيولوجي الحقيقي
المسألة المحيّرة هنا ليست فقط في محتوى هذه التجارب، بل في توقيتها الفيزيولوجي تحديدًا. ففي حالات السكتة القلبية الكاملة، يتوقف تدفق الدم إلى الدماغ خلال ثوانٍ معدودة، ويتلاشى النشاط الكهربائي القابل للقياس بجهاز تخطيط الدماغ (EEG) خلال عشرات الثواني التالية. ووفق الفهم المادي البحت السائد، الذي يفترض أن الوعي نتاج مباشر وحصري لنشاط عصبي قابل للقياس، لا ينبغي أن يكون هناك أي شكل من أشكال الإدراك المنظم أو تكوين الذكريات المتماسكة في تلك اللحظات بالذات. ومع ذلك، يصف بعض من نجوا من هذه الحالات إدراكًا واضحًا، متسلسل الأحداث، وأحيانًا تفاصيل يصعب تفسيرها بمجرد التخيل أو الهلوسة العشوائية.
القيمة الحقيقية لهذه الظاهرة، حتى في أضيق تفسير لها، أنها تفتح ثغرة حقيقية في الافتراض المادي الصارم القائل بأن الوعي ينتهي حتمًا ولحظيًّا بمجرد توقف النشاط الدماغي القابل للقياس. فإذا كان العلم نفسه غير قادر على تفسير هذه المسألة في الاتجاه المادي، فهذا يعني أن الباب يبقى مفتوحًا عقلًا أمام تفسير آخر: أن هناك بُعدًا من الإنسان لا ينتهي بانتهاء نشاط الجسد الفيزيائي القابل للقياس.
خاتمة
لا يبني المسلم يقينه بالآخرة على مثل هذه الظواهر وحدها، فإيمانه مؤسس على أدلة عقلية وشرعية أرسخ وأوضح، تناولنا بعضها في مقالات أخرى من هذا الموقع. لكن مثل هذه الحالات المحيّرة تذكّرنا بأن حصر حقيقة الإنسان بالكامل في نشاط عصبي قابل للقياس ليس أمرًا مسلَّمًا به علميًّا كما يُصوَّر أحيانًا، وأن حقيقة الروح تتجاوز ما نستطيع الإحاطة به تفصيليًّا، كما أخبر القرآن الكريم: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: 85).



