لعدة قرون، كان الملجأ الفلسفي الأول للمنكرين لوجود الخالق هو القول بأن: “المادة أزلية لا بداية لها، والكون موجود منذ الأزل بلا صانع”. فإذا لم يكن للكون بداية، فلا حاجة منطقية للبحث عن “مُبدئ” أو “خالق”.
ظل هذا الافتراض مسيطراً حتى مطلع القرن العشرين، حين وجهت الاكتشافات الفيزيائية والفلكية الحديثة ضربة قاصمة لهذا التصور، وحولت “بداية الكون” من مجرد إيمان غيبي إلى حقيقة علمية تجريبية راسخة لا تقبل الشك.
فما هي البراهين العلمية التي حسمت قضية بداية الزمان والمكان؟ وما النتيجة العقلية الحتمية التي تلزم كل باحث عن الحقيقة؟
1. الانفجار العظيم (Big Bang) ونهاية خرافة “الكون الساكن”
في عشرينيات القرن الماضي، لاحظ عالم الفلك إدوين هابل (Edwin Hubble) عبر مراصده أن المجرات البعيدة تبتعد عنا بسرعة هائلة في جميع الاتجاهات، مما يعني أن الكون ليس ساكناً، بل يتمدد باستمرار.
ماذا يعني تمدد الكون؟
إذا أعدنا شريط الزمن إلى الوراء (كفيلم سينمائي يُعرض بالعكس):
- ستتقارب المجرات نحو بعضها البعض.
- يتقلص الفضاء وتنضغط المادة وتزداد الحرارة والكثافة.
- بالوصول إلى نقطة الصفر الزمنية ($T = 0$)، تتجمع كل طاقة الكون ومادته في نقطة مفردة متناهية الصغر والكثافة، وقبلها لم يكن هناك مكان ولا زمان ولا مادة.
هذا هو نموذج الانفجار العظيم (The Big Bang) الذي أكدته مراصد الفضاء باكتشاف “إشعاع الخلفية الكونية الميكروي” (CMBR) عام 1965، وأثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن للكون لحظة ميلاد حقيقية خرج فيها من العدم.
2. القانون الثاني للديناميكا الحرارية (الإنتروبيا)
حتى بعيداً عن مراصد الفلك، تحسم قوانين الفيزياء الأساسية على الأرض استحالة أزلية الكون:
ينص القانون الثاني للديناميكا الحرارية على أن الطاقة المفيدة في الكون تتحول باستمرار وتدريجياً إلى طاقة حرارية غير مفيدة (تزايد الإنتروبيا أو العشوائية)، تماماً مثل بطارية الهاتف التي تنفد طاقتها بالاستخدام، أو فنجان القهوة الساخن الذي يبرد تلقائياً حتى يتساوى مع حرارة الغرفة.
- لو كان الكون موجوداً منذ الأزل (أي مرت عليه مدة لا نهائية من الزمن في الماضي)، لكانت طاقته قد نفدت بالكامل منذ زمن بعيد، ولتحول الكون إلى مقبرة متجمدة مظلمة خالية من الحرارة والحياة (الموت الحراري).
- وحقيقة أن الكون لا يزال يمتلك نجوماً متقدة وطاقة متدفقة وحياة تنبض، تثبت بدليل قاطع أن هذا الكون قد “شُحن بالطاقة وبدأ في لحظة محددة من الزمن الماضي”.
3. تطبيق برهان السببية العقلي (دليل الحدوث)
حين يثبت العلم التجريبي أن الكون حادث وله بداية، يتحرك العقل البشري تلقائياً وفق القانون المنطقي الأشهر: “مبدأ السببية”:
- المقدمة الأولى: كل شيء يبدأ في الوجود لا بد له من سبب ومُحدِث (العدم المحض لا يمكن أن يُنشئ شيئاً من تلقاء نفسه).
- المقدمة الثانية: الكون (بزمانه ومكانه ومادته) بدأ في الوجود.
- النتيجة الحتمية: الكون له سبب أوجده.
ما هي صفات هذا السبب بالضرورة العقلية؟
بما أن هذا السبب هو الذي أوجد الزمان والمكان والمادة وقوانين الفيزياء:
- يجب أن يكون خارجاً عن حدود الزمان (أزلي لا بداية له).
- يجب أن يكون غير مقيد بالمكان والمادة (ليس جسماً مادياً متحيزاً).
- يجب أن يمتلك قدرة فائقة وإرادة مطلقة ليرجح وجود الكون وخروجه من العدم في تلك اللحظة بالذات.
الدلالة العقلية: إشراقة الوجود
إن محاولة القول بأن “الكون خلق نفسه” هو تناقض ذاتي يستحيل تصوره، فالشيء لا يمكن أن يخلق نفسه لأنه يستلزم أن يكون موجوداً قبل أن يوجد!
بداية الزمان والمكان هي الشهادة الكبرى المكتوبة في كل ذرة ونجم على أن هذا الكون لم يكن ليظهر للنور إلا بإرادة خالق أزلي حي، قيوم، بديع السموات والأرض:
«أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ»}
«أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا»}



